إخوان الصفاء
263
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
هي مركّبة منها ، مثال ذلك إذا قيل : ما حقيقة الطين ؟ فيقال : تراب وماء مختلطان ؛ وهكذا إذا قيل : ما حقيقة السّكنجبين ؟ فيقال : خلّ وعسل ممزوجان . وعلى هذا القياس كلّ مركّب إذا سئل عنه ، فيحتاج أن يذكر الأشياء التي هو مركّب منها وموصوف بها ؛ والحكماء يسمّون مثل هذا الوصف الحدّ ، ومن أجل هذا قالوا في حدّ الجسم إنه الشيء الطويل العريض العميق ؛ فقولهم : الشيء ، إشارة إلى الهيولى ، وقولهم : الطويل والعريض والعميق ، إشارة إلى الصورة ، لأن حقيقة الجسم ليست بشيء غير هذه التي ذكرت في حدّه . وهكذا قولهم في حدّ الإنسان إنه حيّ ناطق مائت ، فقولهم : حيّ ناطق ، يعنون به النفس ، ومائت ، يعنون به الجسد ، لأن الإنسان هو جملة مجموعة منهما ، أعني جسدا جسمانيّا ونفسا روحانية . وعلى هذا القياس تعرف حقائق الأشياء المركّبة من شيء . وأما الأشياء التي ليست مركّبة من شيء ، بل مخترعة مبدعة كما شاء باريها وخالقها تعالى ، فحقيقتها تعرف من الصّفات المختصّة بها ، مثال ذلك إذا قيل : ما حقيقة الهيولى ؟ فيقال : جوهر بسيط قابل للصورة ، لا كيفيّة فيه البتّة . وإذا قيل : ما الصورة ؟ فيقال : هي التي يكون الشيء بها ما هو . فمثل هذا الوصف تسمّيه الحكماء الرّسم . والفرق بين الحدّ والرّسم أن الحدّ مأخوذ من الأشياء التي المحدود مركّب منها ، كما بيّنا ، والرّسم مأخوذ من الصّفات المختصّة بالمرسوم ، وفرق آخر أن الحدّ يخبرك عن جوهر الشيء المحدود ، ويميّزه عما سواه ، والرّسم يميّز لك المرسوم عمّا سواه حسب . فينبغي لك أيها الأخ البارّ الرحيم ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، إذا سئلت عن حقيقة شيء من الأشياء أن لا تستعجل بالجواب بل تنظر هل ذلك الشيء المسؤول عنه مركّب أم بسيط حتى تجيب بحسب ذلك . وأمّا كم هو فسؤال يبحث عن مقدار الشيء . والأشياء ذوات المقادير نوعان ، متصل ومنفصل ؛ فالمتصل خمسة أنواع :